المشروع الأممي والفراغ الحضاري...
القلعة نيوز
ما لم نخرج بمشروع حضاري ديني، بجمع مكونات الأمة، وأعني الأمة، مع الحفاظ على الدول حكامًا ومكتسبات، فلن ينخرط في المشروع من تتأثر مصالحه، بل سيقاومه ويعمل على هدمه. وهذا ما لا تريد الجماعات الحديثة، التي تشكلت تحت عباءة الإسلام، فهمه؛ فتستعدي الآخر وتشق الصف بدل أن تعمل على توحيده. وكل ذلك بسبب رئيسي، حسب تقديري، هو سعيها لأن تكون السلطة، فهمًا وتطبيقًا، محصورة فيها؛ فهي تفرق ولا تجمع إلا فئة قليلة بدأت تدرك خطورة المرحلة وما يترتب على ذلك في المستقبل. مع أن هذه الدعوة ليست من صلب الدين دعوةً ومنهاجًا، وهي مقتل للجماعات والعمل الإسلامي، ومقتل للأمة أيضًا. وهنا الخاسر هي الشعوب الإسلامية، حكامًا وشعوبًا، وبالتالي هذه النظرية في العمل تؤخر المشروع النهضوي للأمة.
ما يحدث اليوم، للأسف، هو تخوين وترصد وفراغ وغياب وعداء. ولو تغيرت الأولويات، لكانت بداية انطلاقة المشروع الأممي، برأيي، قد بدأت منذ زمن بعيد، بل ربما حققنا بعض النتائج التي ما زلنا نتطلع إليها، ولن تستطيع تحقيقها ما دامت الفرقة هي حالنا. ومن هنا أقف مع حروب الردة في حالة تفكيك لهذه الحروب؛ فهي، من جهة، لا تسامح ولا تجمع، ولكنها، من جهة أخرى، عملت على توحيد تلك الفئة التي تعتقد بمنهج معين وتسعى لحمايته ونشره والدفاع عنه. أما نحن فنعيش حالة من التشتت والفراغ الحضاري، وهناك مشاريع جاهزة تتجاذب المنطقة وبقوة، ونحن ما زلنا نبحث: هذا شرقي وذاك غربي، وهذا مصري وذاك خليجي. وهذا لا يحيي أمة، فضلًا عن أن يصنع حضارة. ما زال خطابنا خطابًا فرديًا، أو على أقل تقدير على مستوى الجماعة، والسعي لتمكين الجماعة كأن تمكينها قيام للدين والأمة.
ما لم نخرج من خطاب الفردانية إلى خطاب التجميع، والبحث في الأسباب التي أدت إلى الفرقة والشتات ومعالجتها، سنظل أحزابًا وجماعات يخاف بعضنا من بعض، بل يعمل بعضنا على القضاء على الآخر، ولا قيام لحضارة في ظل الخوف.
وهنا، فإن عدم نضج مفاهيم الحضارة والأمة ووحدتها ووحدة صفها في العالم الإسلامي ساهم في بقاء الأمة دون وعي حقيقي بالواجبات والحقوق وصناعة الإنسان، والمساهمة الفاعلة في الحضارة الإنسانية. وهنا يبحر فينا مالك بن نبي في هذه المفاهيم بشكل عميق، محللًا ومشرحًا ومحاولًا الوصول إلى العلل والأسباب التي ساهمت بشكل مباشر حتى نصل إلى هذا الإنسان الذي نعيش معه اليوم على محور طنجة–جاكرتا. ولا بد من الإشارة إلى أن اللامبالاة التي اصطبغ بها الإنسان، كما أشار إلى ذلك الإمام محمد عبده، كانت نتيجة لهذه المعرفة الضحلة بالحقوق المدنية والحضارية وصناعة الأمم والحفاظ عليها، والمنتشرة في كتاب الله انتشارًا واسعًا، من بني إسرائيل إلى فرعون إلى باقي الأقوام وأسباب زوالها وسقوطها. وهنا المشكلة في الإنسان، والمشكلة الأخرى في الجماعة، ومدى الأثر والفاعلية التي يجب أن يتصف بها إنسان المنطقة حتى يتحرر من عقده ويساهم بشكل بالغ في تحرير أمته ونقلها خطوات إلى الأمام. هذا من جهة، ومن جهة أخرى كيف يئس البعض من المشاريع المطروحة على الساحة الإسلامية لصناعة التغيير. فئة كبيرة من الشعوب الإسلامية تحتاج إلى مشروع واضح ومحدد لتنخرط فيه، وهي ضائعة. وهذا اتضح أخيرًا في حالة المشروع الشيعي والعداء للصهيونية، وفئة من المؤثرين والفاعلين والمنفعلين بالقضايا العامة، ولكنهم ليسوا منخرطين في مشروع حضاري لتغيير واقع الأمة نتيجة لغياب مشروع جامع. كل هذا سيبقى مطروحًا.
القياس التاريخي هو قياس مع الفارق؛ فلن تستطيع ضبط الحالة والتجربة التي تريد قياسهما معًا، ولن تستطيع أن تضبط النتائج، ولكنك تسعى لفهم هذه الحالة مع تلك الحالة التي تحاول القياس عليها، وقد تنجح وقد لا تنجح. الأمم لها أحوالها، فما يصلح لأمة لا يصلح لأمة أخرى. ومع الحالة الإسلامية نقف ونحاول الفهم: وهل، كما أشار مالك، المشكلة في العالم الإسلامي بدأت من صفين، والدفع الحضاري للأمة الإسلامية انتهى هناك؟ ولا أستثني الوجود المسيحي وغيره من الأديان والحضارات التي اندمجت في المشروع الإسلامي؛ لأن الأمة استطاعت تشكيل مكون حضاري له صبغة دينية، استطاعت معه الحضارة الإسلامية استيعابهم وتوجيه القوى المؤثرة لهم لصالحهم أولًا، ولصالح الأمة ثانيًا. فقد كان الوجود المسيحي قبل ذلك تابعًا لأمم مجاورة، ولم يكن وجودًا مستقلًا، ولا يحقق حتى أهدافًا ذاتية لمن يحمله، ولكن المد الإسلامي استطاع صناعة أمة موحدة بصبغة دينية. وكان للآخر هنا (شعوب وحضارات وأديان) دور كبير في التاريخ الإسلامي سياسيًا واقتصاديًا وحربيًا، لا مجال لذكره هنا. وما حدث بعد ذلك من تراجع، هل كان نتيجة لضعف القوة الحضارية الكبيرة جدًا التي حدثت قبل ذلك؟ وما زالت الأمة في تراجع منذ ذلك التاريخ؟ هذا سؤال مفتوح.
نعم، كان لحصر الدور السياسي في قبائل معينة (أموية، عباسية، عثمانية، فاطمية، سلجوقية) دور في عزوف الشعوب المسلمة عن ممارسة الدور السياسي والانخراط فيه، بل الانفصال شبه التام عن السياسة. ولكن كان هناك دور، في الحقيقة، للنخب من العلماء في الحفاظ على القوة النقدية والتصحيحية للمسيرة، مع بقاء نفوذ للقبائل العربية، كما في قصة الأحنف مع معاوية. إن انخراط هذه الفئة في سياسة الأمة وقياداتها كان له آثار سلبية أحيانًا، كما حدث في الحروب الأفرنجية (الصليبية) وكما حدث في الأندلس، وهذا مبحث منفصل يحتاج إلى الوقوف عليه بشكل مفصل من الباحثين، وبعضهم يسعى بجد في هذا المجال من أمثال وضاح خنفر ومحمد المختار الشنقيطي.
اتفق العلماء المسلمون، في معظمهم ضمنًا، على عدم الخروج على الحاكم مهما كانت الظروف، ورغم ذلك كان هناك مواقف من العلماء في الوقوف ضد التجاوزات والظلم من بعض الحكام، ودفعوا الثمن طبعًا. وهنا: هل كان هذا الموقف بمجمله صوابًا أم جانبه الصواب؟ السياق التاريخي محكوم بظروفه، ولا نستطيع أن نطبق ما نعرفه اليوم على تلك المواقف التاريخية التي كانت في عقول هؤلاء في تلك التواريخ. فلا نقول إن تلك الظروف خاضعة لمعرفة اليوم ولا لأحكام اليوم، كما أن الثورة الفرنسية ليست خاضعة لديمقراطية الإغريق وأحكام هذا الزمان، كما أشار إلى ذلك باحث آخر. ولكن التاريخ للاستقراء والعبرة، وهنا لا بد من الوقوف على أسباب هذا العنف المفرط من الحكام أحيانًا، والذي لم يصل، في مجمله، إلى ما قام به الغرب من إبادة شبه كاملة أو كبيرة لبعض الشعوب التي وقعت تحت سيطرتهم. هذا التصرف من قبل الساسة، ولن أقول خلفاء، تبقى هذه التصرفات القليلة تحت المجهر من حيث البحث والنتيجة. هذا سؤال سيبقى مطروحًا يحتاج إلى بحث وإجابة.
ومع ذلك، كان وعي الأمة دائمًا متوافقًا ومنسجمًا مع المشروع الإسلامي. فمزيد من الديمقراطية هو، في الحقيقة، مزيد من الدين، حسب ما أشار نوح فليدمان ومارتين، الباحثان من جامعة هارفارد، في بحث آخر. وستبقى العلمانية في العالم الإسلامي مكونًا مرفوضًا وغير مقبول، والكلام للشنقيطي. وبقيت الحياة السياسية في العالم الإسلامي في مرحلة الجنين، كما أشار الباحث الكبير محمد إقبال، أو اقتربت من الطفولة كما أشار غيره. ما أجده من هذه الأطروحات التي بدأت تخترق الصمت الحضاري وتمهد الطريق لفتح المجال للحضارة الإسلامية، والقبول العام لأي طرح إسلامي، حتى لو كان شيعيًا، مع علم الكثيرين بخطورة المشروع الشيعي، هو فرصة يجب استغلالها لإعادة المسار لهذه الطائفة السنية بكل مكوناتها، والتي تستطيع أن تطرح مشروعًا يستوعب الآخر وينقذ الإنسانية، من مختلف الحضارات والأديان، من هذا الصراع الذي طرحه المشروع الغربي وتبناه الساسة الغربيون لقيادة العالم نحو مناطق هيمنة وسيطرة وخضوع طرف للآخر، بدل صور حضارية إنسانية تقوم على احترام الآخر وترك المجال له للحياة.
مع الشكر لمحمد مختار الشنقيطي على بعض الإضاءات...
إبراهيم أبو حويله...




