الأستاذ محمد مطلب المجالي
تعليلةٌ كركيّة في بيت الشَّعر… حيث الدفءُ يمتدّ من القلوب قبل الجمر، وحيث للكلمة وزنها وللذاكرة هيبتها. اجتمعت نخبةٌ خيّرة من أبناء الكرك، فكان اللقاء لوحةً نابضةً بالأصالة، امتزج فيها عبق الماضي بروح الحاضر، احتفاءً بإعلان لواء القصر مدينة الثقافة لعام 2026.
تناولت الجلسةُ مواضيع شتّى، تنقّلت بين التاريخ والعادات والتقاليد والأعراف والقيم، في حديثٍ ثريٍّ يعكس عمق الانتماء وصدق الرواية. وتحدّث الباحث والتربوي الدكتور يوسف الحباشنة، مستحضرًا ذاكرة الكرك الجميلة، فأسهب في استعادة محطّاتٍ مضيئة من تاريخها، بينما أضاء الشيخ عاطف المجالي جوانب من الإرث الاجتماعي والعشائري، مؤكدًا على ثبات القيم وأصالة الموروث.
وكان للفاضلة الأستاذة عروبة الشمايلة حضورٌ لافت، قدّمت فيه صورةً مشرقة للثقافة الكركية ودورها في صون الهوية، فيما تحدّث المهندس بهجت الرواشدة عن الدور المجتمعي والتنموي، مستندًا إلى خبرته في العمل البلدي. وأثرى الشيخ منير المجالي الجلسة بطرحه الاجتماعي العميق، فيما قدّم الناشط السياسي ضرغام الهلسة قراءةً واعية في واقع المجتمع وتحولاته.
كما كان للإعلامية تقوى البطوش، مديرة إذاعة مؤاب، حضورٌ إعلاميٌّ مميز أضفى على اللقاء بعدًا مهنيًا، مؤكدةً على دور الإعلام المحلي في توثيق الفعاليات ونقل نبض المجتمع وصون الذاكرة الوطنية.
وتحدّث الدكتور علاء المجالي، رئيس رابطة أبناء لواء القصر، فشكر الحضور الكريم، وتناول في كلمته الحديث عن الهوية وتاريخها ورجالاتها وشهدائها، مؤكدًا أن هذا الاستحقاق الثقافي يأتي تتويجًا لمسيرة اللواء وإرثه العريق، ودليلًا على مكانته في المشهد الثقافي الوطني.
ولم يتلو الشاعر ماجد المجالي قصيدةً على مسامع الحضور، غير أنّ حضوره وحده كان قصيدةً قائمةً بذاتها؛ صمتٌ ناطق، وهيبةُ انتماء، وملامحُ تحمل من الشعر أكثر مما تحمله الكلمات. فبعض الحضور لا يحتاج إلى إلقاءٍ ليُسمع، بل يكفي أن يكون ليُقرأ.
وحضورٌ من الإعلاميين والمثقفين والمهتمين أضفى على اللقاء بعدًا حيويًا، فكان الحديث طيبًا ممتعًا، أعاد تسليط الضوء على تاريخ الكرك العريق، وعشائريتها المتماسكة، ومعالمها الراسخة كـ شيحان وسفوحها، وما تختزنه من قصص البطولة والشهادة.
وفي خضم هذا السرد، برزت حقيقةٌ لا بد من التأكيد عليها: أن هناك فرقًا كبيرًا بين التاريخ المدوّن القائم على التوثيق والمعرفة، وبين الحكايات المتناقلة التي تفتقر إلى المصدر، فتتأرجح بين الحقيقة والأسطورة.
لقد كانت هذه التعاليل في زمنٍ مضى مدارسَ للمعرفة ومجالسَ للوعي، تُصاغ فيها المواقف، وتُروى فيها السيرة، وتُستعاد فيها الذاكرة الجمعية بكل تفاصيلها. غير أنّها اليوم بدأت تتراجع في حضورها، حتى كادت معالمها تختفي، تحت وطأة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وتبدّل أنماط الحياة، واتساع فضاء وسائل التواصل الاجتماعي التي أخذت الكثير من دور المجالس والدواوين.
وأصبح البديل الافتراضي يزاحم اللقاء الحقيقي، فتقلّصت تلك المساحات التي كانت تُدار فيها الحوارات الهادئة وتُصقل فيها القيم وتُستعاد فيها الروابط. حتى الدواوين التي كانت عامرةً بالأنس والضيافة، بات كثيرٌ منها مغلقًا أو غارقًا في صمتٍ ثقيل، رغم ما فيها من أثاثٍ فارهٍ وزينةٍ لا تعكس حضور الروح الذي كان يملأ المكان حياةً ودفئًا.
وهكذا، لم يعد الغياب غياب مكانٍ فحسب، بل غياب دورٍ اجتماعيٍّ وثقافيٍّ كان يشكّل ركيزةً من ركائز التماسك المجتمعي، ويمنح الذاكرة الشعبية امتدادها الطبيعي بين الأجيال.
تعليلةٌ لم تكن مجرّد لقاء، بل كانت احتفاءً بالهوية والذاكرة، ورسالةً تؤكد أن لواء القصر، وهو يدخل عامه الثقافي 2026، إنما يكتب صفحةً جديدة من حضوره الثقافي المتجذّر، وأن الكرك بتاريخها وأهلها ما زالت قادرةً على أن تحكي… وتُقنع… وتُلهِم.




