القلعة نيوز: الشيخ محمد الزبون الحجايا
في عالمٍ تتطوّر فيه فنون التسويق، لم يَعُد الأمر مقتصراً على بيع السلع والمنتجات، بل امتدّ ليشمل بيع الأفكار، وتزيين القرارات، وتمرير الإجراءات في عبواتٍ ناعمة الملمس، براقة العناوين… حتى أصبح المواطن يبتسم وهو يُقدّم جيبه طوعاً، ويصفّق وهو يُنصّب الحارس على طريقه.
وهنا… يظهر فنّ تسويق كاميرات المخالفات، ذلك الفنّ الذي يدرّس — لو أُنشئت له كليّات — تحت عنوان:
"كيف تُقنع الناس أن الرقابة رحمة… والغرامة نعمة… والكاميرا صديقٌ حميم."
تبدأ الحكاية عادةً بعباراتٍ شفّافة كالماء…
"سلامتكم أولاً"
"حياتكم تهمّنا"
"الهدف ليس المخالفات بل الوقاية"
فتشعر وكأنّ الكاميرات ليست أعيناً إلكترونية، بل ملائكة حراسة، تنتشر على الطرقات لتربت على أكتاف السائقين، وتمنحهم الطمأنينة، وتذكّرهم بأنّ هناك من يسهر على راحتهم… حتى لو كان هذا السهر مصحوباً بإشعارٍ نصّيٍّ يوقظك صباحاً على خبرٍ سعيد: "تم تسجيل مخالفة مرورية"… وكأنها بطاقة تهنئة بمناسبةٍ لم تعلم بها!
ثم تبدأ المرحلة الثانية… مرحلة "التعويد التدريجي"،
حيث تُزرع الكاميرات أولاً في الأماكن الواضحة…
ثم في المنعطفات…
ثم في الظلال…
ثم في الأماكن التي لا يخطر ببال أحد أن فيها كاميرا…
حتى يصبح السائق يقود لا بعينيه… بل بحدسه،
ويبطئ لا احتراماً للإشارة… بل احتراماً لعدسةٍ قد تكون مختبئة خلف عمودٍ أو لوحةٍ إرشادية.
وهنا يبلغ الفنّ ذروته…
حين يتحوّل المواطن نفسه إلى مروّجٍ للفكرة…
فيقول لك: "والله ممتاز… الكاميرات قلّلت الحوادث."
وآخر يقول: "هذا لصالحنا… حتى نلتزم."
وثالث يضيف بحكمة: "اللي ما يخالف… ما يخاف."
فتدرك أن الحملة نجحت…
حين أصبح المواطن يبرّر… ويقنع… ويدافع…
بل ويبحث عن الكاميرات بنفسه… كأنها علامات أمان لا أعمدة مراقبة.
ثم تأتي المرحلة الأجمل…
حين تتكاثر الكاميرات كالفطر بعد المطر…
فتصبح الطريق الواحدة حافلةً بعدساتٍ متتابعة…
تراقب السرعة…
وتراقب الحزام…
وتراقب الهاتف…
وربما — مستقبلاً — تراقب المزاج العام للسائق إن بدا عليه التوتر أو الاستعجال!
وهكذا… تتحول الرحلة من نقطةٍ إلى نقطة…
إلى جولةٍ في معرضٍ إلكترونيٍّ للعدسات،
وكل عدسةٍ تلوّح لك بلطف: "نحن هنا… من أجلك."
ولعلّ أبدع ما في هذا الفنّ…
أن الكاميرات لا تتعب…
ولا تجامل…
ولا تنسى…
ولا تُقدّر الظروف…
ولا تفهم أن السائق ربما استعجل لطارئ…
فهي حارسٌ مثالي…
لا يعرف إلا الأرقام…
ولا يفهم إلا المخالفة.
ومع ذلك…
يُقال لك دائماً بابتسامةٍ مطمئنة:
"هذه الإجراءات لصالحكم."
فتبتسم…
وتقود بحذر…
وتراقب الطريق…
وتراقب السرعة…
وتراقب اللوحات…
وتراقب حدسك…
وتدرك أخيراً…
أنك لم تَعُد تقود سيارتك فقط…
بل تقود تحت إشراف…
مدرسةٍ كاملةٍ من الكاميرات…
نجحت في تسويق نفسها…
حتى أصبح الطريق…
أكثر انضباطاً…
وأكثر هدوءاً…
وأكثر… مراقبةً مما كان.
وعجزنا عن مراقبة تسريب الارقام الوطنية ، وبيع التجنيس، فلربما ارتفع عدد الزبائن المخالفين.




