القلعة نيوز - نوال عايد الفاعوري
الكتاب الذي حاول تفسير الاسباب التي قد تؤدي الى تجريد الانسان من انسانيته
ليتحول بذلك الى مخلوق متوحش يشبه الحيوان دون عقل او ايه مشاعر تحكم تصرفاته وردات فعله
- يسلط الضوء على سطوه الحكومات وتبريرها للتعذيب وفرضها للسلطه
-كيف يحول القمع الإنسان إلى كائن منزوع الإنسانية، ويفضي إلى ما يشبه "التحوين” أو "الحيونة”
-كيف تنتج مجتمعات القمع أفرادًا يمارسون القهر ذاته الذي يمارس عليهم في دورة عنف لا تنتهي
-كتاب يقدم تحليلات نفسية واجتماعية حول الجلاد والضحية، السلطة، الدين، الأخلاق، والعنف المؤسسي
يستخدم أسلوبًا تأمليًا غير أكاديمي، لكنه عميق ومشحون بالأسى والغضب الإنساني
في عام 1972 تحطمت طائره الاوروغواي في جبال الانديز والتي تحمل على متنها فريقا لرياضه الرغبي
نجا منهم 29 لاعب من بين الركاب الاربعين على متنها
وتحت حصار العواصف الثلجيه وتهديد نفاذ مخزونهم من الطعام اقترح احدهم فكره مرعبه
لعلها راودت الجميع
الفرصه المثلى لنجاتهم
وهي تناول جثث من مات من الركاب
وفي اليوم الثاني والسبعين من الحادثه اصيب الطيار المنقذ بالهلع مما راه من بقايا طعام الناجين خلال الاسابيع السابقه ولم يستطع فهم ما الذي يجعل البشر ياكلون بعضهم !
لكن الناجين استغربوا بدورهم رده فعل الطيار فهم بالمقابل تعودوا على هذا الامر وتالفوا معه
تعكس هذه القصه جانبا مثيرا للاهتمام من جوانب الانسانيه وتطرح سؤالا بالغ الاهميه هل يستطيع البشر التعود على اي شيء؟ وهل تعودنا على امور وحشيه
اخرى لم ينبغي ان نعتاد عليها ؟
*نحن لا نتعود يا ابي الا اذا مات فينا شيء تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما يجري حولنا
*
فالتعود ليس تكيفا صحيا بل عملية مؤلمة يستنزف فيها الداخل الإنساني شيئا فشيئا إذ لا نتعود إلا عندما يموت فينا جزء من الرفض والكرامة.
ومن هنا تأتي خطورة الاعتياد
لأنه يكشف حجم ما خسرناه في ذواتنا
هذا ما يحاول الكاتب ممدوح عدوان الاجابه عنه في كتابه حيونة الانسان
يبدا الكاتب في الخوض في اعماق النفس البشريه ويتحدث عن موضوع التعذيب في السجون من خلال دراسه نفسية الجلاد والضحية
وبين الجلاد والضحية تولد حيونة الإنسان ذلك أن الجلاد يتحول إلى وحش كاسر يفخر أشد الفخر كلما نزع من الضحية جزءاً من كرامتها وإنسانيتها وفي حال الخطر والمواجهه يتنصل الجلاد من تأنيب الضمير بعد افعال الجلد والتعذيب برمي المسؤوليه الاخلاقيه على السيد ليقول انا عبد مأمور
وبالمقابل تتحول الضحية إلى حيوان وضيع لا تعود تشعر معه بأدنى درجات إنسانيتها.
ويخبرنا الكاتب عن الضحيه والجلاد داخل كل منا وانا في لحظه قد نتحول الى هذا الاتجاه او ذاك لنستنتج في النهايه ان حيونتنا هي من صنع انفسنا في موضع وصنع الاخرين في موضع اخر وبين الاثنين تلعب السلطه دورا بارزا وتتيح للجلاد الثار من كل شيء عبر تعذيب الضحيه
صرنا ضحايا بكامل إرادتنا وضعفنا وجبننا حتى صنعنا من أقراننا جلادين ينهشون كرامتنا ولحمنا، وفوق كل ذلك
جعلنا السلطة في صف المتمتعين والمالكين لبذور الإجرام
لإشباع رغبتهم الحيوانية فينا
تلك السلطة القمعية التي صنعت بيئة تدفع الناس إلى "الحيونة" من خلال
تبرير التعذيب
نشر الخوف
واستخدام القوانين للسيطرة المطلقة
ينتقل عدوان بعدها للتحدث عن التعقيم الذي اعتبره احدى اغرب وافظع الجرائم البشريه ويطرح مجموعه من الأمثلة عن سجون الولايات المتحدة و السويد
يتطرق هذا القسم من الكتاب لدراسه مدى تشوش وهشاشه مفهوم الانسانيه والحدود البعيده والقصيره للفصل الانساني والتحكم الشيطاني فيها ويطرح عدوان هنا سؤالا مثيرا
هل نحن جلادون؟!
ويجيب
بنعم
اذ يقبع هذا الجلاد في داخلنا ويظهر في اماكن عديده لا نستطيع ادراكها الا اذا نظرنا اليها من منظور خارجي
في فصل صناعه الوحش .. صناعه الانسان
يدافع الكاتب عن الوحوش امام البشر ويبين ان استعمال كلمه الوحشيه يظلم هذه الوحوش التي لا تقتل افراد جنسها ولا تعذبهم ولا تشعر بالرضا او تبحث عن التبريرات لفعل ذلك
يحاول عدوان اثبات هذه الفكره عن طريق الابحاث والدلائل التاريخيه التي تكشف مدى همجيه الانسان مقارنه بوحوش الغابه
يعود عدوان هنا ليسقط دور الافكار المتطرفه والعنصريه والديكتاتوريه في ولاده الوحوش البشريه وقدرتها البالغه على التحكم في الشعوب من خلال فرزهم الى جلادين وضحايا
يتطرق ايضا الى الافكار الدينيه التي سمحت للرجل باستعباد المراه وقهرها والتحكم بها بحكم الرخصه الدينيه
من خلال شرح وتفسير الخطاب الديني السائد في المجتمعات وتداعياته الاجتماعيه والبشريه الخطيره
يجري مقارنة بين الإنسان و الحيوان من ناحية تعطش كل منهما للفتك ببني جنسه
فيرى أن البهيمية الكامنة في النفس البشرية تفوق البهيمية الخاصة بالحيوان على سبيل المثال : الاغتصاب هو فعل خاص ببني الإنسان
إذ أن الحيوان الذكر لا يرغم أنثاه البتة على ممارسة الجنس
بينما الذكر من بني الإنسان فإنه يمارس فعل الاغتصاب سعياً منه إلى إرضاء نرجسيته الذكورية بإخضاع المرأة التي بين يديه قبل إرضاء شهوته الجنسية.
يقول : "الاغتصاب هو التعبير الجنسي عن العدوانية".
او كما يقول أحدهم :(الطريقة الوحيدة التي تجعلني احس بأنني أفضل منها هي أن أجعلها تحس هي بأنها أسوأ مني )
يأخذنا عدوان في رحله لا تخلو من الألم الى اعماق النفس البشريه
ويبرز من خلالها كافه النواحي التي يدفعنا بها هذا العالم للتحول الى وحوش لا تمت للمعنى الادبي للأنسانيه بصله
ولعل ادراك هذه الجوانب من النفس البشريه قد يسمح لنا بالتريث والحكم على افعالنا
من وجهه نظر انسانيه صافيه لا تقع
تحت الهام اي سلطه
في محاوله للخروج من فخ الحيونة
الذي لاحق البشريه منذ
فجر حضارتها
وفي الفصل السابع "القامع والمقموع" يعرض الكاتب رؤيته حول آلية ترويض الإنسان انطلاقاً من كونها لا تعتمد دوماً عنفاً ظاهرياً مباشراً بقدر ما هي استثارة لردود عاطفية ووجود قوة تأتي من تكامل طرفين مرتبطين مع السلطة الأقوى
هما التخويف والجوع
ويكون ذلك بالعمل على حرمان الضحية من الطعام والشراب وسائر الاحتياجات بالتزامن مع ضربه بشدة وبعنف لتتم عملية الترويض بنجاح
و"بعملية الترويض يتحقق التغيير في البنية الداخلية وهو تغيير يتعمق حتى ليبدو وكأنه قد تحول إلى غريزة أو حل محل الغريزة".
يتحدث عن الدولة القمعية و دورها في تشكيل الشخصية الانهزامية للإنسان حيث تعمل الدولة القمعية على توسيع دائرة المستفيدين منها أو الذين توهمهم أنهم كذلك لكي تستعين بهم على تثبيت الحكم عبر توسيع القاعدة الشعبية.
وهؤلاء مهمتهم إطاعة الحاكم عبر الولاء المطلق وإثارة الفتن بين الناس على مبدأ "فرق تسد".
وبين براثن الدولة القمعية ينشأ كل من الجلاد و الضحية
الجلاد المستفيد من الفتات الذي تقدمه له الدولة والضحية المسحوقة تحت وطأة السلطة والغارقة في بحور الخوف والذعر
الجلاد الذي يخرج حيوانيته بولاءه الأعمى واستعداده لفعل كل شيء إرضاء للسلطة التي يزعم أنها تغدق عليه من النعم مالا يعد ولا يحصى
والضحية التي تجبرها الدولة القمعية على البقاء في طور الحيوانية.
فأهم بند من بنود تثبيت الدولة القمعية في الحكم هو أن تكون العلاقة بينها وبين مواطنيها علاقة الراعي بالقطيع.
* "الراعي والقطيع ، والرعوية هذه كما يرى فوكو تنفي الحاجة إلى دستور سياسي ، فالراعي مفوَّض بناءً على نص ، بقيادة القطيع إلى المرعى ،والقطيع مطالب بالطاعة و الخضوع".
*
حين يتعود القطيع الاستكانة والخضوع وبعد أن يتم ترويضه تخلق الدولة ما يستطيع هؤلاء من خلاله تعويض نقصهم فتتحالف مع أكثر السلطات تأثيراً على الناس وهي السلطة الدينية
ويورد الكاتب حول هذا الموضوع قول لفلاديمير لينين : "الطبقات الحاكمة كلها تحتاج من أجل الحفاظ على سيطرتها إلى وظيفتين اجتماعيتين هما الجلاد و الكاهن".
يبدأ رجل الدين المرتبط بالدولة بإغداق المواعظ على المنابر بضرورة الصبر وأن ما يحصل هو قدرهم المحتوم فتتخدر العقول وتسعى إلى التخفيف من وطأة الظلم و القمع السياسي عبر التفكير غيبياً بأن حقهم سيرتد إليهم في الحياة الآخرة فتزداد استكانتهم وتقبض الدولة على الحكم بيد من حديد.
ولما كان الناس سريعي التأثر بما هو قدسي وديني يجاهد الحاكم الطاغية في البحث عن أصل ونسب يربطه بشخصية دينية مقدسة يستمد منها جبروته وسلطته الإلهية فطالما أنه يقرب نبي أو ولي أو صحابي فأمره نافذ وحكمه لا يخطئ
فالطاغية إذاً يختلق عدة مقومات لتثبيت دعائم حكمه سياسية منها ودينية تجعله يتشبث بالحكم حتى أرذل العمر.
حيونة الانسان
كتاب أراد به الكاتب أن يوصل للقارئ حقيقة الانسان المتخفية وراء رداء التكنولوجيا و التحضر الشكلي ليكشف ما بداخلها من غريزة "حيوانية" في تعامل الانسان مع نفسه و مع الآخر.
إلا أنه بعد قراءة الكتاب يكتشف القارئ بأن هذه الغريزة ليست حيوانية كما تسمى إنما هي غريزة إنسانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى
فما يسرده ممدوح عدوان في كتابه كان كفيل بجعلك تدرك كم أن الغريزة الحيوانية متحضرة والغريزة الانسانية متوحشة
فالحب الموجود عند الانسان موجود عن الحيوان
لكن الكره والحقد و الاستمتاع والتفنن بتعذيب الآخر صفة من صفات الانسانية وحدها
على هذه الحالة علينا إعادة تعريف ما تعنيه "الإنسانية" من جديد
توفي ممدوح عدوان ولم يتسن له أن يعيش ثورات الربيع العربي
وما نعيشه الآن
ولو عاشها لكان أدرك أنه بـ
"حيونة الإنسان"
كتب سيناريو لسلسة أفلام رعب أخرجته بعض الأنظمة بأبطال حقيقيين
وحققت الأفلام أرقاماً قياسية بنسب المشاهدة لا يتصورها عقل.




