القلعة نيوز:
الفساد...قصة نجاح كبرى
الفساد في أي وطنٍ لا يبدأ كلصٍ يحمل كيساً في الظلام،
بل يبدأ حين يعتاد الناس رؤية الخطأ حتى يألفوه، ويضحكون عليه بدل أن يغضبوا منه، ثم يكبر حتى يصبح كائناً سميناً ينام في المكاتب، ويتنفس من جيوب الفقراء.
أما في أوطاننا، فالفساد ليس مجرد حادثة… بل مسرح طويل، تتبدل فيه الوجوه، ويبقى الممثل ذاته؛
مرةً يدخل بثوب التاجر، ومرةً بربطة مسؤول، ومرةً بخطابٍ متخم بالشعارات الوطنية، حتى إذا اقتربت من الحقيقة، وجدت الوطن واقفاً على الرصيف، بينما يتقاسم السماسرة مقاعد الحافلة.
من "الخرفان السورية” إلى "السمكري”، إلى التصريحات التي تخرج على الناس كأنها نكات سوداء في عزّ المأساة، أدرك المواطن البسيط أن الفساد عند البعض لم يعد خطأً يُخفى، بل صار استعراض قوة، وكأن لسان حالهم يقول:
"نحن هنا… فماذا أنتم فاعلون؟”
يا سادة،
الوطن ليس مزرعةً لمن سبق إلى الكرسي، ولا غنيمةً تُقسم بين المنتفعين، ولا وليمةً يخرج منها الشعب حاملاً الفتات.
الوطن فكرة شرف، فإذا غاب الشرف عن الإدارة، تحولت الدولة إلى ورشة سمكرة؛
يُدهَن فيها الصدأ بدل إصلاحه، وتُلمّع الثقوب بدل سدّها.
ما أقبح أن يصبح الفاسد خطيباً في النزاهة،
وأن يتحدث سارق قوت الناس عن الوطنية،
كذئبٍ يلقي محاضرةً في حقوق الخراف!
لقد تعب الناس من الكلمات المنمقة،
ومن الوجوه التي تظهر عند كل أزمة كما تظهر الضباع عند الجيف،
تقتات على الوجع، ثم تختبئ خلف لجان التحقيق، وتصريحات "سنتابع الأمر”، حتى يبرد الغضب، ويُدفن الملف، ويُفتح باب فسادٍ جديد.
الفساد الحقيقي ليس فقط في المال المسروق،
بل في روح المواطن حين يشعر أن تعبه لا قيمة له، وأن الطريق إلى النجاح ليس الكفاءة، بل المعرفة والواسطة والقدرة على التلون كالحرباء.
هناك تبدأ الهجرة الصامتة من القلوب قبل المطارات، ويصبح الوطن جسداً يتعب لأن بعض أعضائه مصابة بالغرغرينا.
ومع ذلك…
يبقى الأردن أكبر من الفاسدين،
وأطهر من جيوبهم،
وأعمق من ألاعيبهم الصغيرة.
هذا البلد الذي بناه الجنود والمعلمون والفلاحون والكادحون، لا يشبه أولئك الذين يتعاملون معه كصفقة موسمية.
الأوطان لا يحميها المرتزقة، بل الشرفاء الذين إذا ذُكر الوطن، وقفوا له كما يقف الابن على قبر أبيه.
حمى الله الأردن،
من فاسدٍ يرى المنصب مغنماً،
ومن منافقٍ يلبس ثوب الوطنية فوق جيبٍ مثقوب الضمير،
ومن كل من يظن أن الشعب ينسى،
فالشعوب قد تصبر… لكنها لا تفقد ذاكرتها أبداً.




