ولد الهدى... الحلقة الثلاثون..
القلعة نيوز -
أيام فضيلة وذكرى عطرة تعيدنا إلى الذكريات الجميلة، وكيف يحاول البعض اجتزاء الصورة الإسلام واختزالها في بعض المظاهر. وكيف كان للمال دور أساسي في بناء الأمة وتشكيل الدعوة وبناء الحضارة، وفرق بين فعل الرسول، صلوات ربي عليه، وفهم من بعده ممن همّش دور المال والاقتصاد في بناء الأمم.
سلسلة من إضاءات في حياة سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، تسعى لإضاءة جوانب مختلفة من حياته، وتهدف إلى إحداث نقلة من الفهم النظري إلى التطبيق العملي، الذي قد يخرجنا ويخرج الأمة من هذا الوضع الذي نعيشه.
الرسول والمال...
إن الرسول ﷺ، منذ أول يوم في دعوته، لم يغفل الجانب المالي، كما لم يغفل أيًّا من الجوانب الإستراتيجية الأخرى، التي تراعي السنن الربانية (التدافع، الصبر، البناء، الاستخلاف...) والدورات التاريخية (حديث خباب رضي الله عنه...)، وتنسجم مع الجغرافيا الربانية، من الهجرة وطريقها إلى السعي للتحكم بمفاتيح وطرق تجارة قريش، والطبيعة الإنسانية وتوظيفها في اختيار القادة السياسيين، والقواد العسكريين، والدعاة، والفقهاء، والقراء، والمحدثين عنه، الذين رافقوه واطلعوا على أدق التفاصيل المتعلقة بحياته.
بل يذهب بعض العلماء إلى أن زواجه ﷺ من عائشة رضي الله عنها كان من باب نقل الحياة الزوجية إلى النساء من بعده. وهذا يعطيك بُعدًا واضحًا عن طبيعة التخطيط الذي كان الرسول ﷺ يقوم به؛ فهو لا ينطق عن هوى، ولا يتصرف بهوى أو عبثية في أي تصرف من تصرفاته.
البعض يرى النتائج، ولكنه لا يدرك تلك الخطط والخطوات المتعددة والمترابطة التي ساهمت في الوصول إلى هذه النتيجة، ويظن أن الأمر يحتاج إلى بعض الخطوات التي رآها، وينسى الأثر الحقيقي لتلك التي لم يرها.
التجارة والمال لم يكونا بعيدين عن ذلك التخطيط؛ فمنذ أول يوم في المدينة أسس التحالفات، ووضع أسس السوق، فقال: «هذا سوقكم، لا يُنتقص ولا يُضرب عليه الخراج». والحديث وإن كان فيه ضعف، ولكن تؤيده الكثير من الشواهد. فلا تسعير، ولا استقبال للتاجر خارج المدينة، ولا احتكار، ولا غش، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. ووصل الأمر بلعن من يغش، ومن يحتكر، ومن لم يبيّن عيب بضاعته، في أحاديث كثيرة.
والتاجر الصدوق مع النبيين في مقام مرتفع، والحث على التكسب الحلال، وجلب البضائع، وترك العرض والطلب لتحديد الأسعار في السوق، والنهي عن المغالاة، ومنع حبس البضاعة لرفع سعرها، والدين النصيحة، ولا ضرر ولا ضرار، ومن أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله، كما في حديث البخاري. والنهي عن الربا والمضاعفة على الناس والتضييق عليهم، سواء في التجارة أو القروض، وفتح الباب للقرض الحسن والأداء الحسن، والنهي عن الكنز والاكتناز، وفرض الزكاة على الأموال لتشجيع استثمارها، والتشجيع على أنواع الشركات التي تساهم في نهضة الأمم وتطورها وازدهارها، مثل شركة المضاربة وغيرها.
ولكن كل هذا يحتاج إلى المسلم؛ نعم، لا تصلح كل هذه بدون وجود المسلم الحقيقي الذي يدرك قيمة كل حرف هنا، ويتوقف فورًا عن أكل أموال الناس بالباطل، وعن غشهم وخداعهم واحتكار أقواتهم، ويقوم بالعمل كما هو مطلوب، بل أكثر، ويؤدي حقوق العمال والزبائن، والزبون يدفع ما عليه، ولا يأكل هو أموال غيره.
عندما فقدنا الإنسان والأخلاق والمعاملات في الدين، وقدسنا العبادات على باقي الإسلام، فقدنا الكثير، وزاد الضنك والكبد في الحياة. ومن هنا ندرك تمامًا السبب فيما وصلنا إليه. ضاع الإنسان الذي جعل الحياة تحيا بالإسلام، والعدل ينتشر، ويعم الخير حتى يشمل الجميع. وهل نخفي خبرًا إذا قلنا إن الكثير مما يعيشه الغرب اليوم هو من خيرات ما جاء به الإسلام والمسلمون؟ وأن أصواتًا منصفة كثيرة أعادت للحضارة الإسلامية الفضل فيما وصلوا إليه، بل أشارت بوضوح إلى الاقتباسات والسرقات التي نسبها المترجمون الأوائل إلى أنفسهم، وهي مأخوذة من الإسلام وأهله؟ ونحن لن تعود لنا الحضارة، ولا المدنية، ولا حقيقة هذا الدين، إلا إذا أعدنا الدين إلى كل تلك المفاصل التي اهتم بها الرسول ﷺ وعمل عليها.
انتقل النبي ﷺ من مواجهة منظومة قريش التجارية إلى بناء مركز اقتصادي وسياسي بديل في المدينة. والفكرة المركزية أن قريشًا لم تكن مجرد قبيلة دينية تحرس الكعبة، بل كانت قوة تجارية إقليمية كبرى يقوم نفوذها على: الإيلاف التجاري، وخطوط التجارة بين اليمن والشام، والتحالفات القبلية، والأمن التجاري، والمكانة الدينية للكعبة، ورأس المال، والربا، والأسواق. وقد أشار القرآن إلى ذلك مباشرة في سورة قريش: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. فالإيلاف منظومة تحالفات اقتصادية وأمنية وتجارية واسعة.
واجه النبي ﷺ المنظومة الاقتصادية لقريش بضرب المركز الاقتصادي، لا القبلي فقط. فبعد الهجرة لم يكن الصراع مجرد صراع عقائدي، بل أصبح صراعًا على طرق التجارة، والنفوذ الإقليمي، والتحالفات، والسوق، والشرعية. فبدأت السرايا التي استهدفت قوافل قريش، ومنها سرية حمزة بن عبد المطلب، ثم غزوة بدر الكبرى المرتبطة أصلًا بقافلة أبي سفيان. هذه التحركات لم تكن عشوائية، بل كانت ضغطًا اقتصاديًا مباشرًا على قلب قوة قريش.
ثم عمل على بناء اقتصاد مستقل في المدينة. فالنبي ﷺ لم يكتفِ بالمواجهة، بل أسس بديلًا اقتصاديًا، وأنشأ سوق المدينة بعيدًا عن هيمنة اليهود والاحتكار: «هذا سوقكم، لا يُنتقص ولا يُضرب عليه خراج». فكان سوقًا حرًّا بشكل نسبي يمنع الاحتكار والربا، ويربط أخلاق الإسلام بالاقتصاد، وهذا تحول مبكر في تاريخ الإسلام. وسعى إلى وضع وثيقة المدينة التي تنظم المجتمع بكل أطيافه؛ مسلمًا وكافرًا ويهوديًّا، وتنظم طبيعة العلاقة وما هو مطلوب من كل طرف، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وبدأ السيطرة التدريجية على طرق التجارة في الجزيرة العربية حتى وصل إلى حدودها وأطرافها. وهنا تحولت المدينة من مجتمع مهاجر ضعيف إلى مركز إقليمي صاعد، وتحول المال من أداة هيمنة إلى أداة بناء قوة ومجتمع صاعد.
قريش استخدمت المال في الربا والاحتكار وشراء الولاءات وحماية الطبقة الأرستقراطية، بينما حوّل الإسلام المال إلى زكاة، وتكافل، وتمويل جماعي، وتحرير العبيد، وبناء الدولة، وتمويل الجهاد، والحماية الاجتماعية. وهذا التحول الاقتصادي كان جزءًا أساسيًّا من قيام دولة المدينة. فدولة المدينة لم تقم بالسيف أو الخطاب الديني فقط، بل قامت على أساس بناء دولة، واستقلال اقتصادي، وإعادة توزيع الثروة، وبناء سوق مستقل، وتفكيك احتكار قريش، وإنشاء شبكة تحالفات بديلة، وتحويل العقيدة إلى منظومة اجتماعية واقتصادية. ولهذا كانت قريش ترى في الإسلام تهديدًا وجوديًّا، لا مجرد خلاف ديني.
لم يكن الإسلام يومًا إلا بناءً متكاملًا، ولن يقوم بعضه ببعضه، فلا بد لهذا البناء من إدراك ومعرفة حقيقية لقواعده وبنائه حتى نستطيع إعادته من جديد. البشرية اليوم ترفل في المعاناة تحت أنظمة سعت لتخدم فئة على حساب الباقي، وتصنع أمجادًا قائمة على الاستغلال والسرقة بصور مختلفة لثروات وجهود آخرين. فهل قامت حضارة الغرب إلا على أكتاف العبيد وثروات البلاد المستعمرة؟ وما زالت هذه تحاول إبقاء هذا النظام القائم على هذا النوع من الظلم، وما زالت تلك تحاول رفع الظلم عن نفسها واستعادة ثرواتها المسلوبة. وهناك أصوات منصفة كثيرة، حتى في الغرب نفسه، تحاول إعادة العدالة إلى هذا النظام وبث روح الإنسانية فيه، ولكنها تصطدم مع تطلعات بعض الساسة والأحزاب المسيطرة التي تحاول إحياء نظام استعماري مضى، ولو بصورة تجارية.
إبراهيم أبو حويله..




