الشيخ أمجد ندى الشرعة
إن الجلوة العشائرية كانت في زمن من الأزمنة عرفاً اجتماعياً يقصد به حقن الدماء وتهدئة النفوس، وقد أدت دوراً مهماً في ظروف تاريخية تختلف كلياً عن واقعنا اليوم. أما اليوم، ونحن نعيش في ظل الدولة الأردنية الهاشمية، دولة المؤسسات والقانون والقضاء العادل، فقد آن الأوان لمراجعة هذا العرف بما يحقق العدالة، ويحفظ كرامة الإنسان، ويمنع الظلم عن الأبرياء.
ومن هذا المنطلق، فإن هذه الرؤية لتعديل مسار الجلوة العشائرية ليست فكرة مستحدثة، بل هي الرؤية الإصلاحية التي سبق أن طرحها والدي، المرحوم الشيخ ندى كريم الشتيوي الشرعة، لأول مرة عام 2003 أمام مستشارية شؤون العشائر، ثم أعاد طرحها مرة أخرى عام 2009، وكان معه في ذلك الطرح معظم شيوخ الإصلاح، الذين أيدوا هذا التوجه واقتنعوا بضرورة تطوير مسار الجلوة بما يحقق العدالة، ويواكب تطور الدولة والمجتمع، مع الحفاظ على المقاصد النبيلة للإصلاح العشائري. وبحسب علمي، فإن الوثائق ومحاضر تلك الاجتماعات والمقترحات لا تزال محفوظة في مستشارية شؤون العشائر، وتشهد على أن هذه الرؤية طُرحت منذ أكثر من عقدين.
والحمد لله، فقد كانت سنة 2021 نقطة البداية في مسار تطوير الجلوة العشائرية، وهو ما يؤكد أن هذا الطرح الإصلاحي وجد طريقه إلى التنفيذ. وها نحن اليوم، في عام 2026، نجدد التأكيد على هذه الرؤية، وندعو إلى استكمال هذا المسار الإصلاحي حتى تقتصر الجلوة على مرتكب الجرم وحده، فإن كان متزوجاً فتكون عليه وعلى زوجته وأبنائه، وإن كان غير متزوج فتقتصر عليه وعلى والديه بحكم وجودهم في دفتر عائلة واحد، دون أن تمتد إلى بقية الأقارب الذين لا ذنب لهم ولا علاقة لهم بالفعل المرتكب.
لقد تغير المجتمع، وتبدلت أحوال الناس، فلم تعد الأسر تعيش حياة الترحال كما كانت في الماضي، بل أصبح لكل أسرة منزلها، ووظيفتها، ومصدر رزقها، وأبناؤها في المدارس والجامعات، وبناتها في مقاعد العلم، والتزاماتها التي لا يمكن التخلي عنها. فكيف يُعقل أن تُشرد عائلات بأكملها، وتُهدم حياة أطفال ونساء وشيوخ، بسبب جريمة ارتكبها شخص واحد؟
كم من رجل عرف بالصلاح والاستقامة وحسن الخلق، ثم ابتلي بقريب انحرف عن الطريق المستقيم، خاصة في زمن انتشرت فيه آفة المخدرات وما رافقها من تفكك أسري وخلافات حتى بين الإخوة وأبناء العمومة. فهل من العدل أن يتحمل البريء وزر المذنب؟ وهل ينسجم ذلك مع مقاصد الشريعة الإسلامية وعدالة القانون؟
لقد قرر الإسلام مبدأً عظيماً لا يقبل التأويل، فقال سبحانه وتعالى:
﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾
وقال جل شأنه:
﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾
فالقصاص شرع لمعاقبة الجاني، وتحقيق العدل، وصيانة المجتمع، ولم يشرع لمعاقبة الأبرياء أو تحميلهم تبعات جرم لم يرتكبوه.
ونحن اليوم نعيش في دولة قانون، وقضاء مستقل، وأجهزة أمنية قادرة على فرض هيبة الدولة وحماية المواطنين، الأمر الذي يستوجب أن تتطور الأعراف الاجتماعية بما ينسجم مع أحكام الشريعة الإسلامية، وسيادة القانون، ويحفظ في الوقت ذاته قيم الإصلاح والتسامح التي عرفت بها العشائر الأردنية الأصيلة.
إنني لا أدعو إلى إلغاء الدور الإصلاحي للعشائر، فهو إرث وطني أصيل أسهم في تعزيز السلم المجتمعي عبر عقود طويلة، وإنما أدعو إلى تطوير بعض الممارسات التي لم تعد تحقق العدالة في واقعنا المعاصر، بحيث يبقى الإصلاح العشائري سنداً للقانون، لا بديلاً عنه، وعاملاً على جمع الكلمة لا على معاناة الأبرياء.
وأدعو أصحاب الرأي والعلم، وشيوخ العشائر، ورجال الإصلاح، وأهل الاختصاص، إلى الوقوف وقفة مسؤولية أمام هذه القضية، والعمل على ترسيخ مبدأ أن المسؤولية شخصية، وأن العدالة لا تكتمل إلا إذا اقتصرت آثار الجلوة على من ارتبطت به مباشرة، دون التوسع في شمول أبرياء لا ذنب لهم.
إن الأردن بقيادته الهاشمية الحكيمة قام على العدل وسيادة القانون، وستبقى وحدتنا الوطنية وتماسك مجتمعنا أعظم من أي خلاف، ولن يكون ذلك إلا بإعلاء قيمة الحق، وصيانة كرامة الإنسان، وحماية الأسر البريئة من آثار لا ذنب لها فيها.
نسأل الله تعالى أن يحفظ الأردن، قيادةً وشعباً، وأن يديم عليه نعمة الأمن والأمان، وأن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والعدل والإصلاح.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.



