الزغاميم تكتب لنجعل قلوبهم أكثر أمانًا لا خوفًا.
القلعة نيوز
في ظلّ الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة، لم يعد صوت صفّارات الإنذار حدثًا عابرًا، بل أصبح لحظةً تحمل في طيّاتها القلق والخوف، خاصة في قلوب الأطفال. فبين صوت مفاجئ وواقع غير مفهوم، يقف الطفل حائرًا بين ما يسمع وما يشعر، غير قادر على تفسير ما يحدث حوله. وهنا، لا يقتصر دورنا على الحماية الجسدية فقط، بل يمتدّ ليشمل الدعم النفسي والاجتماعي، وبناء الوعي الانفعالي الذي يساعد أبناءنا على التماسك في أوقات الأزمات.
توضح التعليمات الرسمية في الأردن أن سماع ثلاث صفّارات متقطعة يعني وجود خطر، بينما صفّارة واحدة متواصلة تعني زوال الخطر . وعند سماع الإنذار، يُطلب من الجميع البقاء في أماكنهم، أو التوجّه إلى أقرب مكان آمن، والابتعاد عن النوافذ والأماكن المكشوفة . هذه الإجراءات مهمة جدًا، لكنها قد تكون مربكة للأطفال إن لم تُقدّم لهم بطريقة مناسبة.
في البيت، يبدأ الأمان من طريقة تعامل الأهل. فالطفل لا يخاف من الصوت فقط، بل من ردّة فعل من حوله. لذلك، من المهم أن نحافظ على هدوئنا قدر الإمكان، ونشرح لهم بلغة بسيطة ما يحدث، مثل: "هذا صوت تنبيه ليحمينا، ونحن الآن في مكان آمن". كما يجب تجنّب التهويل أو نقل مشاهد مخيفة، لأن خيال الطفل قد يكون أشدّ من الواقع. إن الاحتواء، والاقتراب الجسدي، ولمسة اليد، كلها رسائل طمأنينة تفوق أي كلمات.
أما من الناحية النفسية، فإن أخطر ما قد يمرّ به الطفل هو الخوف غير المعبّر عنه. لذلك، من الضروري أن نتيح له فرصة التعبير عن مشاعره، سواء بالكلام، أو الرسم، أو حتى اللعب. يمكن أن نسأله: "شو حسّيتي لما سمعتي الصوت؟" ونستمع دون تصحيح أو تقليل من مشاعره. هذا النوع من الحوار يعزز التعليم العاطفي الانفعالي، حيث يتعلّم الطفل تسمية مشاعره وفهمها بدل كبتها.
في المدرسة، يكتمل دور الحماية النفسية. فالمعلم ليس ناقل معرفة فقط، بل مصدر أمان. ويمكن للمدرسة أن توظّف مواقف صفّارات الإنذار كفرصة تعليمية لتعزيز مهارات مثل: الهدوء، وضبط الانفعال، والعمل الجماعي. كما أن عقد جلسات صفية قصيرة للحديث عن المشاعر، أو تنفيذ أنشطة مثل الرسم الحر أو كتابة "ماذا شعرت؟" يساعد الطلبة على التفريغ النفسي بشكل آمن.
ولا يقلّ دور الأنشطة المنزلية والأسرية أهمية في هذه المرحلة. فبعد انتهاء الإنذار، يمكن تحويل اللحظة إلى مساحة دعم، مثل الجلوس العائلي، أو احتضان الطفل، أو ممارسة نشاط بسيط يخفف التوتر كالرسم أو مشاهدة شيء هادئ. كما يمكن إنشاء "روتين أمان" يعرفه الطفل: ماذا نفعل عند الصوت؟ أين نذهب؟ هذا يمنحه شعورًا بالسيطرة بدل العجز.
كذلك، من المهم جدًا توعية الأطفال بعدم الاقتراب من أي جسم غريب أو ساقط، لأن الجهات المختصة تحذّر من خطورته وضرورة الابتعاد عنه والإبلاغ فورًا . ويمكن تقديم ذلك للطفل بطريقة مبسطة: "أي شيء غريب بنشوفه ما بنلمسه، بنخبر الكبار فورًا".
في الختام، إن صفّارات الإنذار قد تكون لحظة خوف، لكنها أيضًا فرصة لنعلّم أبناءنا كيف يكونون أقوياء بهدوء، وكيف يواجهون القلق بالفهم، لا بالخوف. فالأطفال لا يحتاجون إلى عالم خالٍ من الأزمات، بل إلى قلوبٍ تطمئنهم أن هناك من يحميهم، يسمعهم، ويمسك بأيديهم وسط كل هذا الضجيج.
في كل صفّارة إنذار… لنجعل قلوبهم أكثر أمانًا، لا أكثر خوفًا.
الخبيرة والمستشارة النفسية والتربوية الدكتورة خديجة سليمان الزغاميم




