وشاح الأرض وسماء الهوية العلم الاردني ..قصة عشق تكتب
القلعة نيوز- قبل أن يكون العلم قماشاً يُرفع أو لوناً يُختار، كان في وجداننا حكاية بدأت منذ الطفولة؛ حين كنا نرقبه بأعيننا الصغيرة في طابور الصباح، ونشعر برعشة اعتزاز لا نفهم سرها آنذاك. هو شال الأم التي ودعت جندياً، وهو رائحة الأرض بعد المطر، والأمان الذي نراه يرفرف فوق هاماتنا كلما عصفت بالعالم الرياح. لذا، حين يحتفي الأردنيون بـ "يوم العلم"، فإنهم يحيون رمزية سيادية تتجاوز حدود النسيج؛ فهو الأيقونة التي تختزل التاريخ، وتجسد تلاحم الشعب والقيادة، وتعلن للعالم عزة وطن صاغت كرامته دماء الشهداء وتضحيات الآباء.
إن فكرة العلم العربي لم تكن وليدة صدفة عابرة، بل تبلورت عبر مخاض تاريخي طويل، ليكون جامعاً لرموز الاستقلال بأدوارها التاريخية، وشاهداً حياً على انبعاث الأمة. بدأت ملامحه الأولى في أروقة "المنتدى الأدبي" بإسطنبول (1909-1911م)، حيث استلهم الرواد ألوان المستقبل من ماضي العرب المجيد، وتحديداً من بيت الشعر الخالد لصفي الدين الحلي:
بِيضٌ صَنائِعُنا، سُودٌ وقائِعُنا .. خُضرٌ مَرابعُنا، حُمرٌ مَواضينا
لقد كان هذا البيت بمثابة "الدستور البصري" للأمة؛ فالأبيض للأمويين، والأسود للعباسيين، والأخضر للفاطميين، أما الأحمر فهو لون راية الأشراف الهاشميين منذ عهد الشريف "أبو نمي" عام 1515م. وخلافاً لما زعمته بعض المذكرات الغربية، يثبت التوثيق التاريخي أن العلم تصميمٌ عربيٌّ خالص؛ ففي مارس 1914م، اتخذت "الجمعية العربية الفتاة" في بيروت قراراً رسمياً باعتماد هذه الألوان، مما يؤكد أن الهوية البصرية للثورة كانت تعبيراً عن إرادة وطنية ذاتية لا منحة خارجية.
وحين انطلقت الثورة العربية الكبرى عام 1916م، تبنى المغفور له الشريف الحسين بن علي هذه الألوان لتصبح راية للنهضة. ومع تشكل الدول العربية، حافظت كل دولة على الأصل مع إضافة لمساتها السيادية، وصولاً إلى الأردن، الذي نال علمه تحديثاً عبقرياً يجمع بين الجمالية والوظيفة الميدانية؛ إذ وُضع اللون الأبيض في المنتصف لضمان وضوح الراية من مسافات بعيدة، واحتضن المثلث الأحمر النجمة السباعية التي ترمز لـ "السبع المثاني"، لتربط النهضة القومية بجذورها الروحية العميقة.
إن اهتمام جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين برمزية العلم، وتسلّيم "الراية الهاشمية" الحمراء للقوات المسلحة، وصولاً إلى استحداث "علم اليوبيل الفضي" عام 2024م، هو تأكيد على حيوية الدولة ورسوخ مبادئها. إنها رسالة للأجيال بأن هذه الراية ليست مجرد ذكرى، بل هي هوية جامعة تمزج بين الاستقلال والإنسانية.
وفي الختام، يظل العلم الأردني هو النبض الذي يجمعنا حين تفرقنا الدروب، والمظلة التي نستظل بها في الهجير. نحن لا نحتفل بمجرد ألوان، بل نحتفي بهويةٍ صاغتها التضحيات، وسطرها التاريخ في أنصع صفحاته. سيبقى هذا العلم بوصلةً للقلوب، وقصيدةً نكتبها كل يوم بوفائنا، مؤمنين أن هذه الراية هي الروح التي تمنحنا معنى الوجود فوق هذه الأرض الطاهرة.
حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمين.
أمل محي الدين الكردي




