القلعة نيوز- لم تكن الدبلوماسية في حياة السفير الدكتور محمد الفرا مجرد مهنة تؤدى داخل أروقة المكاتب وغرف الاجتماعات، بل كانت ساحة مواجهة لا تقل شراسة عن ميدان المعركة، يخوضها بأناقة العقل وصلابة المبدأ. في زمن كانت فيه القضية الفلسطينية تواجه محاولات الحجب والتهميش في المحافل الدولية، برز الفرا كأحد أبرز العقول التي حملت الصوت الفلسطيني إلى منصات هيئة الأمم المتحدة، مجهساً بالحجة البالغة والمعرفة القانونية العميقة واللغة التي تستنزف حجج الخصوم وتفرض احترام الجميع.
بدأت حكاية هذا الدبلوماسي الاستثنائي من جذوره العربية والوطنية الأصيلة التي غذت فيه حس المسؤولية تجاه أمة بأكملها، ليتسلح بالتعليم العالي وينال درجة الدكتوراه في القانون الدولي، وهي الأداة التي اختارها ليعيد تشكيل السردية الحقوقية لقضيته. ومن خلال موقعه كمندوب دائم للمملكة الأردنية الهاشمية لدى الأمم المتحدة في ستينيات القرن الماضي، ثم كأمين عام مساعد لجامعة الدول العربية، لم يكن يمثل مجرد حكومات أو هيئات رسمية، بل كان صوتاً لكل لاجئ ومعذب يطمح إلى العدالة والتجريد من الظلم.
شهدت فترة خدمته في الأمم المتحدة إبان النكسة وما بعدها أحداثاً جساماً، حيث أدار المعارك السياسية والدبلوماسية في مجلس الأمن بحنكة اقتلعت الإعجاب حتى من منافسيه. كان يتحدث بأسلوب يسرد الحقيقة دون مواربة، يستند إلى بنود القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ليفند الروايات المعادية ويصوغ القرارات التي تثبت الحقوق التاريخية لأصحابها. وفي أحلك الأوقات، لم يفقد الفرا رباطة جأشه أو يقينه الشديد بضرورة العمل الدؤوب وبناء التحالفات مع دول العالم الثالث والمنظومة الدولية للانتصار لقيم الحق والحرية.
تتعدى مسيرة محمد الفرا كونه دبلوماسياً مر في أروقة السياسة الدولية؛ فقد كان كاتباً ومفكراً يوثق التاريخ بقلبه وعقله، ونقل تجاربه الزاخرة في مؤلفات تناولت أسرار العمل الدبلوماسي وكواليس القرار العالمي، لتكون مرجعاً ملهماً للأجيال الشابة من الدبلوماسيين. لقد رحل الفرا بعد أن ترك إرثاً ناصعاً من التجرد والمهنية، مؤكداً أن الكلمة صادقة الرؤية، والعمل المخلص المنيع، قادران على ترك أثر لا يمحى في ذاكرة التاريخ والأمم.




