الوطن بين الحقيقة والتزييف...
القلعة نيوز
المظاهر التي تعزز الانتماء والولاء والشعور بالوطن، تستحق التقدير؛ فهي محاولة تسعى لغرس بعض القيم في هذا الجيل الذي نعوّل عليه كثيرًا، وكيف لا، وهو المستقبل الذي نتطلع إليه بشوق.
بحكم عملي في مدرسة، أتعرض لتعامل مباشر مع أولياء الأمور، وأرى في أحيان كثيرة أن وليّ الأمر يحرم نفسه من الكثير من الأساسيات، فضلًا عن الكماليات، في سبيل أن يضع ابنه في مدرسة خاصة تحترم العلم وتسعى لصناعة القيم، وتمنحه الوسائل التي تساعده على النجاح في الحياة.
وهنا، هل تختصر الوطنية في رموز وشعارات؟ لن أخوض في هذا؛ فمن يحب وطنه سيجد ألف سبب ليجد له العذر، ومن لا يحبه سيجد مئة عذر ليكرهه. وعندها ستسمع من يقول لك إن من طلب من المواطن ألا يهاجر هو مهاجر في الحقيقة! بل إن ثلة من هؤلاء لا يعرفون الوطن إلا في الإجازات والمناسبات الرسمية، ومعظم أوقاتهم في الخارج. ولكن، هل هؤلاء حقيقة هم من يصنعون الأوطان؟ هل هم من يحمون الأوطان؟ ومعظمهم أصلًا لا يسكن في قلوب المخلصين من أبنائه.
الوطن هو تلك القطعة التي تأخذ منك قبل أن تعطيك، وهو تلك الأرض التي تراها كل يوم تنتظر ذلك الجهد الذي تشمر فيه عن ساعك، فتحرث أرضه، وتزرع شجره، وتنثر بذاره، بغير ذلك ستبقى هذه الأرض جرداء قاحلة، تقول لك بصبر: ما زلت أنتظر.
ما أثارني حقيقة هنا كلمةٌ لمؤرخ يتكلم فيها عن مصر الملكية ومصر الجمهورية، وكيف أن الملكية والملك لم يكونا بتلك الصورة التي حاولت الثورة إظهارهما بها، وكيف كانت القاهرة بشوراعها ونظافتها والتعليم والمشاريع كانت درة وقبلةللزائرين. وكيف يُزيف التاريخ أحيانًا حتى مع وجود أشخاص القصة الحقيقيين. فهذا ابن محمد نجيب يأتي أباه باكيا بكتاب في الوطنية يُظهر أن عبد الناصر هو أول رئيس للجمهورية، وما زال نجيب على قيد الحياة! وتظن أنك تعرف الحقيقة لأنك قرأتها مطبوعة في كتاب هناك، أوسمعتها من فم مدع زيفها ونشرها في هذا الفضاء.
وهذا ليس بعيدًا عن واقع أفغانستان الجريحة وليبيا المتنازعة. أتريد أن أكمل المسيرة لتعلم حقيقة ما كان وما حدث، ولتعلم لماذا نحرك الماء الراكد لنقول للبعض: لستم أذكى ولا أكثر جرأة من هؤلاء، ومن تظنون أنه طريق الخلاص هو هذا الطريق الذي ترون نتائجه بأم أعينكم.
نعم، سيقول البعض إن أبناء العبيد إذا أمطرت السماء حرية فتحوا مظلاتهم. هل هذه العبارة تقول جزءًا من الحقيقة، أم تتخفى بثوب الحرية؟ وهنا أطالبك بقوة أن تعود إلى السيرة لترى كيف كان القذافي وحافظ وعبد الناصر عندما بدأوا، وما هي شعاراتهم، وترى كيف تبدأ الشعارات وكيف تنتهي، وما الحقيقة التي تحملها في طياتها، وما نتائج الحرية التي تمطرها السماء مع هؤلاء.
نعم، قد يقول البعض إن الواقع بعدهم كان أسوأ منهم، ولكن هل أتعبت نفسك قليلًا وعدت إلى من يسعون إلى الحقيقة لترى كيف كان الوضع قبلهم؟
نعم، يجب أن تبقى السلطة دائمًا بين مطرقة العلماء والمفكرين والأحرار، وبين سندان الشعوب؛ لأن السلطة المطلقة مفضية إلى الفساد، وهذا بدأ من سولون ولم ينتهِ ولن ينتهي.
ومن هنا، من رفع الغشاوة عن عينه، يمكن أن يرى بعض ما لديه، وما يجب أن يسعى بقوة للحفاظ عليه. وهذا لا يعني بحال أن تسكت عن فاسد أو متكاسل أو متقاعس، ولكن لا تهاجم عاملًا أو مخلصًا.
ومن رأى كيف تمر الأزمات على الآخرين، حتى من الدول الغنية، وكيف تمر هنا الأزمات، سواء كانت طاقة أو غذاء أو غيره، يدرك أن هناك جهودًا جبارة تُبذل حتى تسير الحياة بهذه الوتيرة. لن أقول المريحة والوثيرة، ولكن التي يستطيع المواطن، بصورة ما، أن يتدبر أمره معها.
ففي هذه الظروف، تتحمل الحكومة وتضيّق سقف نفقاتها في سبيل أن تعبر الأزمة. نعم، ستسمع أن البعض لم يلتزم، وأن البعض ما زال متنفعًا فاسدًا يسعى لاغتنام كل فرصة ليحقق منفعة ذاتية، ولكن هل سألت نفسك: لو كان كل من في السلطة من هؤلاء، كيف ستكون حقيقة أوضاعنا؟
تقول أوريانا فالاتشي عن الوضع في ليبيا أيام القذافي: إنه لم تكن هناك بنية تحتية ولا شوارع، وكانت الخدمات التعليمية والصحية في أدنى صورها، وكان القذافي ينفق ثروات بلاده على الثورات في كل بقعة من بقاع العالم، ويسعى لصورة تمجد نفسه وكتابه الأخضر.
إبراهيم أبو حويله




