د. خضر عيد السرحان
التعريف الجغرافي
تعتبر قرية قصرة إحدى البلدة الفلسطينية الحيوية الواقعة في الجهة الجنوبية الشرقية من محافظة نابلس، على بعد نحو 24 كيلومتراً من مركز المدينة. ترتفع القرية ما بين 750 إلى 850 متراً عن سطح البحر، وتتميز بموقع استراتيجي مطل على غور الأردن. تبلغ المساحة الإجمالية لأراضي القرية نحو 9,000 دونم (وتشير بعض التقديرات التاريخية والمحلية إلى نطاق أوسع ضمن حوض الأراضي الزراعية)، وتشتهر بزراعة الزيتون، اللوزيات، والتين. يبلغ عدد سكان القرية وفق التقديرات الحديثة أكثر من 6,000 نسمة.
التقسيم الإداري والواقع الاستيطاني (الجوانب الجيوسياسية)
بموجب اتفاقيات أوسلو، قسمت أراضي قرية قصرة إلى قسمين رئيسيين:
المنطقة (ب): وتشكّل نحو 50% من مساحة القرية وتخضع لسيطرة مدنية فلسطينية.
المنطقة (ج): وتشكّل النسبة الباقية (50%)، وهي الخاضعة للسيطرة الأمنية والإدارية الإسرائيلية الكاملة، والتي تحيط بها طوق من البؤر الاستيطانية والمستوطنات.
تحاط قصرة بعدة مستعمرات وبؤر استيطانية تشكل ضغطاً ديموغرافياً وجغرافياً هائلاً على أراضيها، أبرزها مستوطنة "مجداليم" المقامة على أراضي القرية المقتطعة منذ عام 1984، إلى جانب عدد من البؤر الرعوية المحيطة التي تم استزراعها في السنوات الأخيرة لمحاصرة التوسع العمراني والزراعي للقرية.
تشهد قرية قصرة الواقعة جنوب شرق مدينة نابلس تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة الاعتداءات المنهجية التي تقودها مجموعات المستوطنين المتطرفين بدعم ومساندة مباشرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي. وقد تحولت أطراف القرية، لا سيما منطقة "رأس العين" و"عين عينا"، إلى بؤر ساخنة تعكس أحدث استراتيجيات السيطرة المكانية وفرض الوقائع بالقوة على الأرض في الضفة الغربية.
أبرز مظاهر التصعيد والانتهاكات الحالية
أ. سياسة حصار المنازل وفرض العزل الجغرافي: فرض المستوطنون حصاراً مشدداً ومستمراً لعدة أيام على منازل المواطنين في منطقة "رأس العين" (مثل منزل عائلة يوسف عبد السلام أبو ريدة ومحيطها)، حيث تم اقتحام محيط هذه المنازل، نصب الخيام، وإغلاق الطرق المؤدية إليها بالسواتر والحجارة، مما أدى إلى عزل العائلات تماماً عن محيطها القروي وبث حالة من الرعب والتهديد المستمر.
اقتحام البيوت وتحويلها إلى بؤر: وثقت التقارير الحقوقية والميدانية اقتحام المستوطنين لمنازل الفلسطينيين في أطراف القرية، والعبث بمحتوياتها، وتحويل ساحاتها الخارجية إلى نقاط تجمع وبؤر استيطانية رعوية عشوائية لتقطيع أواصر القرية.
ب. التواطؤ العسكري وفشل "الإخلاء الشكلي"
تشير التوثيقات الميدانية وشهادات الأهالي إلى تورط قطعان المستوطنين بحماية أمنية وعسكرية مباشرة، وصولاً إلى مشاركة جنود الاحتلال في توفير الغطاء لهم.
على الصعيد الرسمي، ورغم إعلان الاحتلال الشكلي عن تنفيذ عمليات إخلاء لبعض البؤر والسقائف الاستيطانية المستحدثة في أراضي قصرة، إلا أن تسريب خطط الإخلاء ومؤازرة جماعات المستوطنين أدت إلى إفشالها وبقاء المستوطنين في المواقع، ما يثبت تكامل الأدوار بين الجيش والمستوطنين لفرض طوق استيطاني محكم.
ج. الاعتداءات على البنية التحتية والممتلكات
•نفذ المستوطنون أعمال تجريب وتخريب متعمدة في شبكات الطرق الفرعية والترابية المؤدية للأراضي الزراعية بهدف شلّ حركة المزارعين.
•استمرار الهجمات على المنشآت الاقتصادية والحيوانية (مثل مزارع الدواجن)، وإحراق المركبات ومهاجمة المزارع والشعارات العنصرية المسيئة التي ترافق هذه الهجمات.
التداعيات الإنسانية والنفسية على السكان
•التهجير القسري الصامت: يواجه أهالي المناطق التماس في قصرة ضغوطاً نفسية ومادية هائلة نتيجة إطلاق النار العشوائي، الملاحقة اليومية، والتهديد المباشر بالقتل أو الحرق لإجبارهم على ترك منازلهم وأراضيهم.
•شلل الحياة اليومية: أدى الحصار المفروض على المداخل والطرقات واعتداءات المستوطنين المتكررة على المارة والمركبات إلى تقييد حرية الحركة بشكل كامل، مما تعطل معه سير الحياة الطبيعية والأنشطة الاقتصادية والتعليمية لأهالي القرية.
تتعرض قرية قصرة في الوقت الراهن لحملة تهويد وتطهير مكاني ممنهجة تستهدف قضم ما تبقى من أراضيها في "المنطقة ج" والامتدادات الحيوية في "المنطقة ب"، عبر أدوات "الإرهاب الاستيطاني المنظم" وتحتحت غطاء أمني عسكري، مما يحول القرية إلى خط دفاع أول عن مجمل المشروع الوطني الفلسطيني في مواجهة المد الاستيطاني المتصاعد.




