(إذا كان الاقتصاد الأردني قد تجاوز الأزمات… فلماذا لا يزال المواطن يعيشها؟)
د. إبراهيم النقرش
كثيرًا ما نسمع أن الاقتصاد الأردني تجاوز الأزمات، وأنه حافظ على استقراره المالي والنقدي، وأن مؤشرات النمو والاحتياطيات تؤكد قدرته على الصمود. وقد يكون ذلك صحيحًا من منظور الاقتصاد الكلي، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الاقتصاد قد تجاوز الأزمة، فلماذا لم يتجاوزها المواطن؟
المواطن الأردني لا يقيس الاقتصاد بالنمو والاحتياطيات، بل بما يوجد في جيبه. وهو اليوم يواجه ضعفًا في القوة الشرائية، وارتفاعًا في تكاليف المعيشة، وبطالة، وديونًا وقروضًا تثقل كاهله، فيما يتراجع إنفاق الأسر ويضعف الطلب في الأسواق.
وهنا تكمن المفارقة: قد ينجح الاقتصاد في تجنب الانهيار، لكنه لا ينجح بالضرورة في تحقيق الازدهار. فقد يرتفع الناتج المحلي، وتستقر العملة، وتتحسن بعض المؤشرات، بينما تبقى الأجور ضعيفة، والبطالة مرتفعة، والاستثمار محدودًا، ولا يشعر المواطن بثمرة النمو.
فالاحتياطيات الأجنبية مهمة لاستقرار الدولة، لكنها لا تعني أن لدى المواطن احتياطيًا في جيبه. واستقرار سعر الصرف لا يعني استقرار دخل الأسرة. والنمو الاقتصادي لا تكون له قيمة اجتماعية حقيقية إذا لم يتحول إلى فرص عمل ودخول أعلى وقدرة شرائية أفضل.
ثم كيف نقول إننا تجاوزنا الأزمة، بينما يتجاوز الدين العام 60 مليار دولار، وتذهب موارد كبيرة لخدمة الدين وفوائده؟ الدين ليس مشكلة بحد ذاته إذا مول استثمارات منتجة، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاقتراض إلى وسيلة لتمويل العجز وإعادة تدوير الديون بدل بناء اقتصاد منتج قادر على توليد موارده.
والاقتصاد الذي يعاني ضعف الإنفاق والاستهلاك، وتراجع الطلب، وضعف الاستثمار والإنتاج، لن يستطيع خلق فرص العمل المطلوبة. فالمعادلة واضحة: دخل ضعيف يؤدي إلى إنفاق ضعيف، والإنفاق الضعيف يؤدي إلى ضعف الطلب، وضعف الطلب يحد من الإنتاج والاستثمار والتوظيف.
والأكثر إيلامًا أن نرى مواطنًا يبحث عن قوت يومه في الحاويات، بينما نتحدث عن تجاوز الأزمات والتعافي الاقتصادي. هذه ليست مجرد صورة اجتماعية مؤلمة، بل مؤشر اقتصادي على اتساع الفجوة بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وحياة الناس.
نحن لا نريد اقتصادًا لا ينهار فقط؛ نريد اقتصادًا يعيش فيه المواطن بكرامة.
لا نريد أن تكون الدولة قادرة على الوفاء بالتزاماتها، بينما يعجز المواطن عن سداد قسط البنك. ولا نريد أن يرتفع الناتج بينما تبقى الأسرة عاجزة عن تلبية احتياجاتها الأساسية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تجاوز الاقتصاد الأردني الأزمة؟ بل: هل تجاوزها المواطن الأردني؟
فالاقتصاد لا يُقاس فقط بما تقوله الجداول والنسب، وإنما بما يشعر به الناس في بيوتهم وأسواقهم وحياتهم اليومية.
وإذا كان الاقتصاد قد تعافى فعلًا، فيجب أن يكون أول دليل على ذلك أن يتعافى المواطن أيضًا. أما أن يتعافى الاقتصاد على الورق ويبقى المواطن أسير الفقر والبطالة والدين وضعف القدرة الشرائية، فمعنى ذلك أننا لم نتجاوز الأزمة… وإنما غيّرنا فقط اسمها.




