الدكتورة رشا الركيبات باحثة علوم وسياسات نظام الارض
قراءة في فجوات "القبول الاجتماعي" وديناميكيات السلطة
يأتي مشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 كاستجابة استراتيجية لضرورات التحديث، حاملاً طموحات بنقل المحافظات إلى "وحدات منتجة". إلا أن أي نظام معقد، كالدولة، يتطلب "دراسة أخطار" Risk Assessment قبل التنفيذ لضمان ألا تتحول "الأدوات الإصلاحية" إلى "أعراض لانسداد منظومي". من منظور "علم نظام الأرض" والتفكير المنظومي، تبرز أربعة أخطار حرجة تستوجب المعالجة التشريعية قبل الإقرار النهائي:
1. أخطار "القصور الذاتي للمركزية" Governance Bottleneck Risk
رغم طرح مفهوم اللامركزية، إلا أن رصد المسودة يكشف عن تكرار عبارة "وفق تعليمات الوزير" في أكثر من 50 موضعاً، خاصة في ملفات حساسة كإنشاء الشركات الاستثمارية. منظومياً، هذا يخلق حلقة تغذية راجعة Feedback Loop سلبية؛ حيث تُسلب الإرادة المحلية وتعود القرارات للارتهان بالمزاج البيروقراطي في العاصمة. الخطر هنا هو تحول اللامركزية إلى "مركزية مقنعة"، مما يؤدي إلى إضعاف سرعة الاستجابة للميزات النسبية لكل محافظة.
2. أخطار "الفصام بين الشرعية والسلطة" Political Alienation Risk
استحداث منصب "المدير التنفيذي" المعين بصلاحيات واسعة مقابل تراجع الدور التنفيذي للمنتخبين يطرح خطراً يُعرف بـ "تآكل الشرعية الإجرائية". عندما يشعر الناخب أن صوته ينتج "واجهة" بينما القرار المالي والفني بيد "معين"، ينشأ خطر "العزوف عن المشاركة العامة". هذا التصميم قد يقود منظومياً إلى ما وصفه مراقبون بـ "الانتحار السياسي البطئ" للمؤسسات المنتخبة، حيث تُفرغ الصناديق من معناها التنموي الحقيقي.
3. أخطار "الامتثال الشكلي" The Ritualism Risk
هناك علة سلوكية في المنظومة الأردنية وهي "الشكليّة" Formalism. الخطر الكامن في "لجان الأحياء" و"الموازنة التشاركية" المقترحة هو أن تتحول إلى "مربعات تجميلية" لاستيفاء شروط القانون دون تمكين حقيقي للمجتمع المحلي. يحذر التفكير المنظومي من أن السياسات التي تخاطب "الأعراض" (توفير مقاعد للشباب) وتتجاهل "الجوهر" (تمكينهم من أدوات القرار المالي) ستؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج الفشل بأسماء حديثة.
4. أخطار "الرفض الاجتماعي للتحول المالي" Social Acceptance Risk
تُظهر القراءات الأولية لنبض الشارع (كما في النقاشات العامة والمنصات الرقمية) تخوفاً جمعياً من تحول المشروع إلى "أداة جباية" لتغطية مديونية البلديات التي بلغت 285 مليون دينار. عندما تُفهم القوانين كأدوات "تحصيل مالي" وليست "روافع تنموية"، ينشأ خطر "المقاومة السلبية"؛ حيث يفضل المكلف دفع "مخالفة الالتزام" على الالتزام بالقانون نفسه، مما يحول البلديات إلى "محصلين ماليين" ويفقدها صفتها الاستثمارية.
التوصيات الاستراتيجية (تخفيف المخاطر):
لضمان نجاح هذا المشروع الوطني، يجب الانتقال من "إدارة الإجراءات" إلى "هندسة البنى" عبر:
1. الأتمتة الكاملة للرقابة: لقطع الطريق على "تكييف المعايير" أو الواسطة في التعيينات.
2. فك الارتباط بالمركزية: تقليص سلطة "تعليمات الوزير" لصالح معايير قانونية ثابتة وواضحة.
3. ربط التمويل بالأثر: لا بمدى تحصيل الغرامات، بل بعدد فرص العمل الحقيقية التي يخلقها الاستثمار المحلي.
إن مواجهة هذه "الجروح البنيوية" بشجاعة علمية هو الضمانة الوحيدة لتحويل قانون الإدارة المحلية من "نص ورقي" إلى "واقع منتج" يحقق تطلعات الدولة والمواطن على حد سواء.




